أحمد مصطفى المراغي
15
تفسير المراغي
ثم حث على إخلاص العبادة له والهجرة من الوطن ، فبين أن الدنيا ليست دار بقاء ، وأن وراءها دار الجزاء ، التي يؤتى فيها كل عامل جزاء عمله فقال : ( كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ ) أي أينما تكونوا يدرككم الموت ، فكونوا في طاعة اللّه وافعلوا ما أمركم به ، فذلك خير لكم ، فإن الموت لا محالة آت ، وللّه در القائل : الموت في كل حين ينشد الكفنا * ونحن في غفلة عما يراد بنا لا تركننّ إلى الدنيا وزهرتها * وإن توشحت من أثوابها الحسنا أين الأحبة والجيران ما فعلوا * أين الذين هم كانوا لها سكنا ؟ سقاهم الموت كأسا غير صافية * صيّرتهم تحت أطباق الثرى رهنا ثم إلى اللّه مرجعكم ، فمن كان مطيعا له جازاه خير الجزاء وآتاه أتم الثواب . والخلاصة : لا يصعبنّ عليكم ترك الأوطان ، مرضاة للرحمن ، بل هاجروا إلى أوفق . البلاد وإن بعدت ، فإن مدى الدنيا قريب ، والموت لا محيص منه ، ثم إلى ربكم ترجعون ، فيوفيكم جزاء ما تعملون ، فقدموا له خير العمل تفوزوا بنعيم مقيم ، وجنة عرضها السماوات والأرض . ثم بيّن جزاء المؤمن بربه ، المهاجر بدينه ، فرارا من شرك المشركين ، فقال : ( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ) أي والذين صدّقوا اللّه ورسوله فيما جاء به من عنده ، عملوا بما أمرهم به ، فأطاعوه وانتهوا عما نهاهم عنه لنزلنهم من الجنة علالىّ وقصورا ، تجرى من تحت أشجارها الأنهار ، ماكثين فيها إلى غير نهاية ، جزاء لهم على ما عملوا ونعم الجزاء . ثم بين صفات هؤلاء العاملين الذين استحقوا تلك الجنات بقوله : ( الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) أي هؤلاء العاملون هم الذين صبروا على